في الخريف لا يأتي طائر الخطّاف

خرجتْ من البيت قُبيل الفجر..تحملُ علی رأسها القدرَ المملوء بالأواني المتسخة.. وطأت قدماها الطریق الترابي..إتجهت صوب الشط..داعب النسیم وجنتيها الکالحتين.. حاول الإنسیاب إلی تحت (شيلتها) المهترءة..شعرت بذلک..أرختها.. انزلقت علی کتفيها..تراقص شعرها الفاحم مع هبّات النسيم.. أخذت نفساً عميقاً..إنتعشت رئتاها..أحسّت بأن يومها سيکون مختلفاً.
یبعد الشطّ عن بيت جدّها مئتان و ثلاثة و سبعون قدماً عندما لاتحمل شيئاً آخر إلّا القدر الفارغ بغية ملئه بـ (ماء العروس).. حيث کانت تعدّ الأقدام في ذلک الظلام الدامس لکي تصل النهرَ سريعاً.. أو لتزيح عن نفسها الخوف المترصد لها خلف الاشجار و بين سعف النخيل . أسمها ..فهيمة..لکن هي إختارت لنفسها تسمية ( خطّافة.. (رغم کثرة الألقاب التي أُطلقت علیها..تری نفسها سنونوة تطير إلی الأعالي ..لتذهب بعيداً..بعيداً.. حتی أبعد من (مگام سيد علي)..
کان عمرها ثلاثة أعوام عندما تزوجت والدتها من عمّي سيّء الخلق..بعد ما طلقها زوجها الأول لا لشيء و أنما إنتقاما من أخيها حاد الطباع عندما طلّق شقيقته هو الآخر..حيث کانتا (صدايق).
رعَتْها والدتي فترة وجيزة و أحسنتْ معاملتها بعد ما رفَضَ عمّي وجودها معهما و هدّد والدتَها بالطلاق ..لکن لم تَدم هذه الرعاية کثيراً لأنّ عمّي هدد والدتي أيضاً بالضرب إن لم تتخلّ عنها و قد کنّا نعيشُ معاً في بيتٍ ريفيٍ کبير .
إنتقلت للعيش بعد ذلک الی بيت جدّها لأمّها و عاشت لديهم خمس سنوات.. أنتقمن خالاتها لأخيهنّ منها شرّ أنتقام..کانت تصفنها بأبشع الألقاب و تکلن لها أقذع الشتائم..تجرّعت خلال تلک الفترة المرارة جرعة بعد جرعة..لم تذهب الی المدرسة.. بل أُستُعبِدتْ لتعمل خادمة بل ( وصيفة ) کما أُطلِق علیها في بيت جدها .
بعد إندلاع الحرب و هروب عائلة الجد إلی المدن البعيدة إبتاعها والدها (کما يصف) من بيت جدّها..لکن لم تنعم بالراحة هناک..إذ کانت تعاملها زوجة والدها بقسوة و إحتقار و ضرْب و قد أطلقت عليها لقب ( بت الخوثة ).
ثم إشتراها جدّها لأبيها من أبيها [هکذا وصفوا عملية المقايضة].. لتعيش في بيته مأساة أخری من ضرب و تحقير و إستعباد حتی استحالت حياتها الی کابوس..باتت تلعن جميع المقدّسات و ترجو تخليصها من هذه الحانة التي إمتدّت إثنا عشر خريفاً.
اليوم و عند خروجها من البيت لتغسل الأواني بـ ( الشريعة )..لم يعُد الوجع الذي کانت تنوء تحت وطأته منذ الطفولة موجوداً..لم تشعر بحزن و لا قلق و إنمّا تغمرها السعادة ..شعرتْ بنفسها ( خطّافة ) تطير الی الأعالي .
بعد ثلاثة أيام وجدَ جثّتها عزيز بن بخّاخ علی بعد عدة کيلومترات من بيت جدها طافية علی المياه قرب (إيشان الحمر).
تنويه : هذه القصة من نسج الحقيقة و لا تمت للخيال بصلة !

اشتراک گذاری:

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *